‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل

2.3.11

أقر وأعترف : أنا محتاج الشرطة

أعتقد أن هذه العبارة هي التي يستكبر أو يخاف أو يخجل أن يعترف بها كثيرين منا
نعم.. أنا أحتاج لتواجد الشرطة
وأعترف أن الحياة الآن أصعب كثيرا بدون التواجد الأمني للشرطة

"مش هي دي الحرية؟
مش هو ده التحرر اللي انتوا كنتوا عايزينه؟
مش كنتوا عايزين تخلصوا من تسلط الشرطة وساديتها؟
مش هي دي الديمقراطية والعصر الجديد اللي عايزين تعيشوا فيه؟
يلا.. آدي كل اللي عايزينه اتحقق.. استمتعوا بيه بقى"

بالطبع الإجابة على كل هذه الأسئلة هي لا
من يريد أن يخرج من بيته ليذهب لعمله دون أن يطمئن على نفسه في طريقه، أو على أخته التي اتخذت طريقها لمدرستها، أو على أمه التي بقيت بالبيت بمفردها؟
من منا يريد أن يسير في الطريق متجنبا أي شئ قد يشعل خلافا مع أي سائق آخر على الطريق خوفا من العبارة الشهيرة التي تقتضي أن أحضر أعلى خيلا لدي لأركبه؟

تدور الآن تحقيقات "رسمية"، ونقاشات ومجادلات "فيس بوكية" حول الحادث الذي نتج عنه سائق مصاب بطلق ناري، وضابط ملقى بالمستشفى، وسيارتين محترقتين، واحتقانا آخر بين الشعب والشرطة
أفقد القدرة حتى على أن أميل لصف أي منهما.. لا للضابط ولا للسائق
ولكن فلنفترض أن رواية الضابط هي الصحيحة، السائق استفزه وخرج عليه مشهرا مطواته فاضطر الضابط لتهويشه بسلاحه.. ازدادت حدة الأحداث وخرجت الرصاصة لتصيب السائق في رقبته، وتصيب المارة في صبرهم فيهجموا على الضابط ثم على كل ما له علاقة بالداخلية

ويتعجب كل ضابط من هذا العداء الغريب الذي يكنه لهم الناس.. فكيف يقوم هو بحمايتهم والسهر على أمنهم، فينتهي به الحال لهذا النكران الشديد؟ وهذا العداء "غير المبرر"؟
وأتعجب أنا شخصيا من هذا التعجب!
 
أتريد أن تعلم لماذا؟
ادخل على اليوتيوب وابحث عن جرائم الشرطة/انتهاكات الشرطة/سادية الشرطة
من المؤكد أنك سترى فيديو يقوم فيه الضابط بصفع شخص ما بما يزيد عن العشرين أو الثلاثين صفعة، ثم يشير له بحركة "قبيحة".. وينفجر ضاحكا!!
قد يكون هذا الرجل متهما، ولكن هل هذه طريقة الاستجواب؟
وهل من حق الضابط الحكم وتنفيذ العقاب؟
 
قد تجد ابنة مدير الأمن التي تنفجر سبابا لشخص "شجار بسبب السيارات".. ولكنها لا تتورع عن سبه بأمه و"باللي خلقه"!! حيث أن أباها سيربيه.... إلخ
 
لن أحدثك عن عماد الكبير حيث حكم في قضيته تلك على الضابط بالحبس.. ولا نعلم كم من عمادٍ كبيرٍ لم يحكم له
لن أكلمك عن خالد سعيد الذي ابتلع لفافة بانجو فقتلته خنقا وضربا حتى كسرت له عظام جمجمته
 
إن كانت هذه حالات فردية شاذة، فاسأل أي شخص تعرفه إن كان قد رأى أي انتهاك من قبل ضباط الشرطة أم لا
من المؤكد أنك ستجد الكثير ممن يحكون لك ما رأوه
 
هل أقول لك أنا ما رأيت؟
رأيت -وكلنا رأينا- ضابطا يقفز في سيارة ميكروباص، آمرا السائق أن يطلع، وبينما يرجوه السائق أن يتركه لأنه في أول اليوم.. يسبه الضابط آمرا له بأن ينفذ ما يقال له بروح أمه "أم السائق طبعا"
رأينا كلنا ذلك ونحن نعلم أنه سيأخذ هذا الميكروباص ليتمم به عمله (لم نعترض على هذا) ولكننا نعلم أن هذا السائق سيتحمل هو التكاليف!!
 
رأيت في مرور حلوان شخصا ينفجر ضجرا من الإجراءات الغبية القذرة التي "يتمرمط" فيها كل مواطن من أجل استخراج رخصة أو تجديدها، وعندما يسأله الضابط، ويقول أن هذا حرام وأن الإنسان من حقه.... يقاطعه الضابط "إنت فاكرنا في حقوق الإنسان هنا؟ اطلع بره اقف جنب المكتب لحد ما أجيلك"
 
أقول لك أنا ما عايشت؟
نشتري أرضا، ونسجلها بالشهر العقاري حسب الإجراءات الكاملة التي تضمن أننا بالفعل اشترينا، وأن البائع بالفعل يملك.. وهذا بضمان الدولة نفسها
ثم يتم وضع اليد على هذه الأرض.. ننفذ إجراءات المطالبة بحقنا، ولكنها تقف دون سبب مقنع مرة تلو المرة، حتى نعرف أن هناك ضابطا يقوم بافساد الإجراءات حتى يتم رفض المحضر (أو كما يقال يبوظولنا المحضر)!! وما زال الحال على ما هو عليه للآن
 
الحكايات كثيرة، ولم ألاقِ منها إلا القليل
ولكنها تفسر هذا الغل الذي تعامل به سائق الميكروباص مع الضابط
تفسر التصديق التام لقصة السائق من عامة الناس، وكأن هذا هو البديهي
فالحُكم لم يكون على موقف بين سائق وضابط.. بل الحكم انطوى على المشاعر السلبية التي رباها الضباط على مر السنين لدى الناس، حتى أصبحت النظرة العامة لكل ضابط هي أنه إنسان سئ حتى يثبت العكس
 
طيب والحل؟
أعتقد أن الحل الآن في يد وزارة الداخلية
فعليها أن تعترف أولا بأن ما وقع من أخطاء لم يكن مجرد أخطاء فردية.. ولكنها كانت أحداث كثيرة متكررة.. تُركت بدون علاج، حتى تلوثت سمعة الضباط الشرفاء بأفعال الضباط المنحلين
 
على الضباط أن يعرفوا أنهم جزء من هذا الشعب ويتصرفوا على هذا الأساس، ليتم إصلاح العلاقة بينهم وبين "باقي الشعب".. فلا أجد الطرفين يتكلمون وكأنهم شعبين مختلفين.. فأرى فيديو على موقع فيس بوك وتحته تعليق :
"هو ده اللي اتعلمناه ف الكلية يا شعب ولو عايزين ناكلكم كنا عملنا بس للأسف قلنا اخواتنا قالو يهود"
ليذكرني بمحمد صبحي وهو يقول "طيب يا شعب.. يا أنا يا انت في البلد دي"
 
يجب أن يعرفوا أني أعترف بأني لا أستطيع أن أعيش بدون الشرطة.. مثلما لا يستطيع أي ضابط أن يعيش بدون الأطباء أو البقالين أو السباكين أو عاملي النظافة في الشوارع.. هذا تكامل طبيعي في أي بلد.. وليس تفضل من طائفة على طائفة، أو من مهنة على مهنة
 
بل أنا أطالب معهم الداخلية أن تنظر بجدية إلى أحوالهم المعيشية والمادية، فلا يعقل أن يكون الضابط يعمل في مهنة بها هذا الخطر من ناحية وهذه الإغراءات من ناحية أخرى، ولا يأخذ المقابل المنطقي.. وبعد ذلك تتم المحاسبة الحقيقية لكل ضابط في إطار الثواب والعقاب.. فلا يتم التستر على أي مخطئ، لأن محاسبته ستحفظ كرامة وصورة الداخلية أفضل من التستر عليه وإنكار جريمته
 
عليهم أن يعترفوا..
عليهم أن يفهموا..
عليهم أن يفعلوا..
وماذا عن الناس؟
صدقوني لا يريد أحد أن يحيا خائفا على نفسه، ولا يريد أحد أن يدخل عهدا يسود فيه قانون الغابة
وبمجرد أن يرى الناس اعتذارا حقيقيا عن أخطاء الماضي بعيدا عن كلاشيهات "القلة المندسة" و"الفئة القليلة"
ومجرد أن يجدوا وعودا جادة بمستقبل أفضل من التعامل والاحترام المتبادل وعقاب المخطئ أيا كان منصبه أو مهنته.. فمن المؤكد أن الناس ستتعاون مع الشرطة وتحترم وجودها، وتساعد عليه أيضا
 

2.2.11

عبيط القرية، ومصريزوفرينيا

أذكر زياراتنا المتبادلة، بيننا وبين أبناء خالتي، والذين يعيشون في بلدة ريفية تتبع محافظة الغربية

أتذكره جيدا.. بسماره الغريب، وجلبابه المتسخ الذي لا يتغير وقدمه التي يبدو أنها لم تعرف للحذاء أو حتى للـ"شبشب" طعما

إسداحمد المحرفة من الاسم سيد أحمد، والذي كنت أراه هناك دائما هائما على وجهه في القرية.. لا بيت له ولا مأوى إلا طرقات القرية.. وبقدر ما كان قلقي وخوفي منه، وشعوري بالاضطراب الذي أحاول جاهدا ألا يظهر عليّ إذا ما اقترب مني.. بقدر كل ذلك، كان تعجبي من تعامل أهل البلدة معه بتلقائية وأريحية شديدة دون تأفف لعدم نظافته، أو دون تذمر من اقترابه منهم

كان اسداحمد يتواجد في أي وقت.. يظهر وكأنه موجود دائما، ويختفي كأنه لم يوجد أصلا.. يجلس الرجال يثرثرون في أي حديث، وينزوي هو بجانب أي جدار.. أو بجوار أحدهم على الكنبة ممسكا بورق البفرة وعلبة التبغ منهمكا في لف السيجارة، يشارك أحيانا بكلمة أو تعليق ينم عن سذاجة طاغية في التفكير، أو تناقض في الكلمات والأفكار.. لا تكون إلا نقطة تحول بسيطة في الـ"الثرثرة" تدفعهم للضحك على طريقة تفكيره، أو تجذبهم لـ "نكشه" قليلا.. ثم يكملون كلامهم وكأن جملته لم تكن إلا جملة اعتراضية بين شرطتين يمكن حذفها دون أن يختل المعنى، ويمكن قرائتها أيضا من باب التسلية ليس إلا

لا أدري لماذا قفز إلى ذاكرتي في هذه الأيام.. خصوصا مع التغطية الإعلامية المتميزة من قنوات الإعلام الحكومي

الإعلام الذي انفرد بخبر المسيرات السلمية البسيطة يوم الثلاثاء، في الوقت الذي كانت ترصد فيه كل القنوات الإخبارية مظاهرات حاشدة في محافظات مختلفة بمصر

وهو الإعلام المتميز الذي أكد للناس استمرار بعض المسيرات السلمية ومحاول الإخوان تغذية الشغب بها يوم الجمعة؛ الذي كانت ترصده كافة القنوات العربية ناقلة أحداث ضرب المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع، والطلقات المطاطية، وسيارة الأمن التي تجري - كالفأر المذعور الذي أمسكت به النار - يمينا ويسارا صادمة أحد المتظاهرين في السويس ومحاولةً اصطياد آخرين

والأغرب أنه الإعلام الذي كاد يقسم على المصريين بالعيش والملح بألا ينصاعوا وراء محاولات التضخيم الإعلامي من القنوات الأخرى.. بعد دقائق من إعلانه حظر التجول لمدة تربو على نصف اليوم!

إعلام غطى بكفاءة المظاهرات وما بها من لافتات تحمل نعم لمبارك بجانب اللافتات التي تؤكد أن مبارك أمان مصر وهي المظاهرات التي وقعت بالفعل من ألف من البشر أو يزيدون، ولا أدري من أين أتت القنوات الأخرى بمظاهرات دخيلة بها أناس خلفهم شئ يشبه المتحف المصري يحملون تنبيه بأنه حان الآن وقت الرحيل حسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة.. أو طلبات بالرحيل تؤكد على أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، ناهيك عن بعض اللافتات التي تتطالب بالمحاكمة.. ومن السهل توقع كيف تم دس هذه المشاهد الدخيلة في ظل تطور برامج الفوتوشوب والـ3D.. وانتشارها كالمحمول في يد الجميع

ببساطة..

ترك الإعلام المصري العالم الواقعي، وانزوى بجوار الجدار حالما بعالمه الخاص، تائها في أفكاره، والتي شارك بها ليجعل من نفسه أضحوكة للمشاهد، المشاهد الذي نسى إعلامنا أنه ممسك باختراع يسمى ريموت كونترول يستطيع به ويا للعجب أن يرى كل شئ في قنوات أخرى..
وأصبح يمثل في طريق تغييرك للقنوات كالجملة الاعتراضية التي تستطيع تخطيها دون أدنى ندم، أو تستطيع قرائتها إذا كنت غير مريض بضغط الدم

وحتى إذا أطلق المشاهد اللعنات على قناة الجزيرة المغرضة ذات الأغراض الدنيئة.. فما زال أمامه قناة العربية أو الـbbc العربية، والتي عرضت الأخبار بشكل كامل وواقعي

ويبدو أن انتشار كلمة ثورة.. جعل إعلامنا المغوار يأخذ دور الإذاعة المصرية وقت النكسة.. والذي لم يكتف بأننا ندافع عن أرضنا ببسالة، ولكننا ومن باب لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد أصبحنا على مشارف تل أبيب "هنخلص قوام قوام وراجعين".. ليكتشف المصريون فجأة أن سيناء كاملة أصبحت "خارج نطاق الخدمة مؤقتا"

ووسط كل ذلك..
وقفت القنوات المصرية الخاصة موقفا أكثر تشريفا واتزانا.. وعرضت الأحداث وأكدت أنها فخورة بالشباب، وتبارت في إظهار هذا العمل الشجاع غير المسبوق، مع كامل الاحترام للرئيس وانجازاته، ولكن قد حان وقت التغيير و(والله مانا.. دول الشباب).. وما دام أراد هذا الشباب اللي يفرح هذا، فلابد أن نحترم رغباته.. وإذا الشاب يوما أراد الحياة، فلابد أن يستجيب الرئيس لمطالبه.. مؤكدة أننا نريد انتقال سلمي للسلطة في مصر يحقق للشباب مطلبه، ويكفل للرئيس خروجا آمنا من السلطة

وأخيرا، وبعد أسبوع من ميلاد المظاهرات، خرج الرئيس ليؤكد أنه رغبة منه في تحقيق آمال الشباب فهو يطلب من البرلمان تعديل المادتين 76 و 77 من الدستور بعد سنوات عدة "نشف فيها ريق المعارضة" لتنفيذ هذا الطلب.. وليطمنهم أنه كان يطمح -أساسا- للتخلص من أعباء السلطة وعدم تحمل هذه الأعباء لسنواتٍ ستٍ مقبلة مرهقة

وللعجب العجاب..

تجد نفس القناة التي كانت تدعم الشباب.. وتفخر بامتلاك مصر شباب يفرح مثلهم.. تبدأ في بث برامج تسير في اتجاه مغاير تماما.. وتجلس المذيعة الشابة بدون المكياج المعتاد متشحة بالسواد، ينبئك مظهرها عن مرورها بحالة من البكاء المرير لهذا الخبر الصادم، وتتلقى تليفونات باكية شاكية تبث همها وحزنها لعدم ترشح الرئيس لفترة سادسة يقود فيها السفينة المصرية.. تنوح أن ينقذ أحدهم هؤلاء شباب اللي فيه حد بيسوقه، وأن الموضوع فيه إنّ مشددة على أنه حرام اللي بيحصل ده خاصة وأننا كلنا بنحب الريّس حتى وإن لم يكن منتخب مصر كويس

وما أن بدأتُ بكتابة هذا المقال تنفيسا عن أعصابي مما شاهدت من تناقضات.. حتى أفاجأ بما هو أعجب من هذا العجب العجاب.. حيث شاهدت بأم عيني ما لم أصدقه حتى الآن.. وما لم أحسب له حساب

أسامة سرايا.. أسااااامة سرااااايا؛
وأنت أعلم مني بما دار في رأسك الآن عند ذكري لهذا الاسم

أراه يقف في المظاهرة.. قائلا أنهم حاولوا يخوفونا (لاحظ صيغة الجمع للمتكلم) من أن ننزل للمظاهرة، ويطلبوا مننا (لاحظ الصيغة أيضا) أن نبقى ببيوتنا لنحميها.. متعجبا من أنهم (من المؤكد أنك لاحظت صيغة الغائب) وزعوا منشورات تقول نعم لمبارك، وهو ما جعله أصر يصر إصرارا، وألح يلح إلحاحا، ألا يخاف وينزل - مشاركا - في المظاهرات!!!!!

يبدو أن هذه حالة خاصة ومتقدمة من السكيزوفرينيا لم ولن تظهر.. إلا في مصر

وكم ذا بمصر من المضحكات           ولكنه (بحق) ضحك كالبكا

27.1.11

كلنا مش عايزين صورة

بعد المكافحة من أجل حلم السد العالي..
بدأ البناء، بعد التغلب على كل المعوقات الخارجية ضد هذا الإنجاز
انطلقت أغنية عبد الحليم والتي تؤكد أنهم بعد تحقيق هذا الأمل "كلهم كده عايزين صورة".. مطالبةً "جمال" أن "صورنا يا جمال"
ليس الموضوع عن الأغنية التي تمجد إنجاز رئيس، فطالما مجدت الأغاني والمقالات في الرؤساء والملوك والحكومات.. أحيانا بوجه حق وكثيرا بدون
ولكن الملاحظ أن الشعب نفسه تقبل هذه الأغنية بدون أي استنكار، لأنها تعبر عنهم وعن رضاهم بمحتوى هذه الأغنية.. فكانوا يرون أن الإنجاز كبير بما يكفي لأن نضعه في أرشيف هذا البلد.. كصورة تحمل الإنجاز.. فيها الشعب صاحب الإنجاز


ومنذ انطلاق هذه الأغنية تم اتخاذها مبدأً عاماً للحكومات المصرية المتتالية
فأرادت الحكومات في عهد السادات إثبات أن البلد ليس مع الكفر والإلحاد الشيوعي، بل هو بلد مؤمن تضرب جذوره في الإيمان ضربا مبرحاً.. فبدأ في تصوير الرئيس وهو يصلي الجمعة أسبوعيا، وأصبح لا يذكر إلا بـ الرئيس المؤمن

أنا لا أملك الحكم على مدى إيمان أي أحد، ولا أقول ذلك لأنفي إيمان الرئيس.. إلا أني لفت نظري إصرارهم على ظهور ذلك دوما في الصورة
حتى عندما أراد السادات أن يثبت مبدأ الحريات، فاهتم بتصوير نفسه وهو يهدم المعتقلات بيديه.. رغم أن هذا لم يكن مانعا أبدا من تنفيذ قرارات اعتقال فيما بعد


ثم اتخذ الموضوع شكلا أكثر تطورا.. فأصبح الاهتمام الأول موجه للصورة.. والصورة أولا، حتى وإن لم توجد الخلفية التي تستحق التصوير، فلا مانع من تكوين خلفية مؤقتة تكفي لملء كادر صورة 6×9.. ولتذهب - الخلفية المؤقتة - بعد ذلك إلى المخازن أو حتى إلى الجحيم.. لا يهم


فأصبح من الطبيعي أن ترى طريقا يصنف بجدارة كـعزيز قوم ذل.. بعد أن أصبح باطنه ظاهرا، أو أرصفته صارت أشبه بمواقع الانفجارات، أو بالوعاته مفتوحة دوما كما تفعل فراخ الطير في انتظار الطعام (والذي كان غالبا هو أحد المارة في هذا الشارع)..
ويظل الأمر هكذا لأجيال
حتى يصبح أهله لا يذكرون له حالا أخرى غير تلك الحال

ولكن..
قد يستيقظ أهالي هذا الطريق على نشاط غير عادي، من رصف وإعادة تأهيل، وتلوين للأرصفة، وزرع للأشجار وإغلاق للبالوعات..
وما ينقضي يومان.. يكتشفون بعدها أن هناك مسئولا سيمر على هذه المنطقة، وكل هذا ليرى أن ما هو مسئولٌ عنه بخير حال وفي صورة طيبة تلتقطها عدسات الصحف المنطلقة في موكبه.. حتى يستطيع النوم هانئا مرتاح البال


واستمر الحال.. واستمرت الصور
وتعين على الحكومات اختيار الصور المناسبة للحال.. حتى أصبحت شيئا فشيئا فاقدة للمعنى وللمصداقية
وكلما حدثت مشكلة بين اثنين.. وكان أحدهما مسلما والآخر مسيحيا، وحاول بعض الخبثاء دس عامل الدين كسبب للخلاف (حتى وإن كان الخلاف على شئ محرم أساسا).. انطلقت الحكومة لنفي وجود فتنة طائفية، وتبارت في كيفية إظهار أن الصورة طالعة حلوة.. لأن بها من الضحك ما يكفي لعمل عشرة ألبومات كاملة..
وتظهر حينها صور شيخ الأزهر مصافحا البابا شنودة.. حتى أصبح الشعب المصري يفهم جملة : (لا وجود للفتنة الطائفية بمصر)، وكأنها المرادف اللغوي لـ (نريد إطفاء الفتنة المشتعلة في مصر).. حتى وإن كان هذا المصري نفسه لا يرى الفتنة بعينيه، لم ير مشكلات ضخمة تستحق وصفها بالطائفية، ولكن هذا الإصرار على النفي يؤكد له وجود شئ ما، خاصة مع رسوخ إيمانه العميق بأنه (مفيش دخان من غير نار)


تعددت المواقف، وتعددت الصور.. بل وتطورت يوما بعد يوم
فبعد أن كان المسئولين يكتفون بنشر لافتات التأييد القماشية في أي مدينة أو قرية يزورها الرئيس، فيبدو أنهم وجودها لقطة مكررة امتلأ بها الأرشيف.. فأصبح القماش المعلق - حاملا لعبارات التأييد - قمصانا يرتديها المؤيدون "حاملةً لصور فوتوغرافية للرئيس أو نجله"..
وطالما تسائلت، ألم يسأل أحدٌ نفسه كيف يقوم شباب قرية بهذا الفقر بتجهيز "تي شيرتات" تأييد عليها صور ملونة مطبوعة؟
أليست هذه تكلفة من الطبيعي أن تشق على من هم في مثل حالهم؟


حتى حينما انتشرت مقاطع تظهر أقسى أنواع السادية التي يمارسها ذو سلطة ضد من هو مسئول عنهم..
مقاطع تظهر عدة رجال شرطة وهم يقتلون إنسانا..
لا يقتلونه جسدا، ولكن يقتلون إنسانيته واحترامه لذاته ولآدميته بل ولبلده نفسها

كان من الطبيعي جدا أن يعاقب المخطئ عقابا رادعا، ويعود الحق لأصحابه ببساطة
لأنه من الطبيعي جدا في كل فئة أو مهنة تواجد الصالح والفاسد..
ولكن لم يكن يتم هذا بهذه السهولة.. فالصورة بهذا الشكل ستظهر بها بقعة تشوه الصورة الوردية
يتم التهرب والإنكار، ولا يعاقب أحد إلا لو تعدت المشكلة حيز الإخفاء


بعد كل ذلك.. خرج الناس بالآلاف.. خرجوا مطالبين ببعض الحقوق، وما زالت الحكومة مصرة على ضبط الصورة، وإظهار أن الأحداث ما هي إلا مسيرات سلمية ليس إلا
لم يدركوا أن أجهزة التصوير أصبحت في كل هاتف محمول، وأصبحت في أيدي حتى الأطفال.. وأصبحت الصورة الحقيقية أسرع انتشارا من الأوبئة

اكتفى الناس من الصور..
فاضت الألبومات بما تحوي، وأصبح الناس في حاجة لواقع يعيشوه، وحلم ينفذوه
خرج الناس من وراء الخلفيات الاصطناعية.. الوردية.. الراضية.. السعيدة.. المؤيدة
أرادوا أن يفتحوا الكادر لتظهر الصورة على حقيقتها
أرادوا أن يقولوا يكفي هذا التصوير، ولنبدأ بالتطوير
حينها..
ستجد ألف ألف كاميرا تعرض إنجازاتك بدلا منك
وستجد ألف ألف متفرج يستمتع بصورة تحوي عملا حقيقيا، ويفخر بك
حينها..
ستجد من يطالبك بالصورة.. كشاهد يشهد لك، بعد أن أرهقت نفسك في خدمة من هم مسئولين منك
فهل يستجيب أحد؟



6.10.10

السواقة في بر مصر

فن.. أخلاق.. ذوق

هذا هو توصيف وزارة الداخلية للقيادة (الشهيرة بالسواقة) في مصر
والتي أصبحت لا أدري هل تم اشتقاق كلمة سواقة من يسوق
حيث يشعر كل راكب سيارة أنه يسوق قطيعا يركب في باقي السيارات.. وعليهم جميعا الانصياع لرغباته واتجاهاته
أم أنها -كما تُنطَق في مصر- سواءة، وهي تأتي من مدى السوء التي وصلت له

فأنا لا أتفق مع شعار الداخلية إلا في الثلث الأول فقط
فهي فن..
وفن له أسس وقواعد؛ ملخصها هو : ليس هناك أسس ولا قواعد

يهالني الفارق الشاسع بين عقليات وتصرفات السائقين، وتعاملهم مع الطريق ومع القطيع.. عذرا.. أقصد رفقاء الطريق الآخرين

فمن المعروف عن "السواقة" في مصر أن هناك لغة خاصة لا يعلمها إلا أهل مصر
فهو قد يخبرك بأمر ما باستخدام يده أو النور أو الكلاكس أو حتى الإشارات

ولا يفسد هذه اللغة إلا القائد المايسترو..
فأنت تسير خلفه وهو لا يكف عن الإشارات بيده صعودا وهبوطا.. للأمام وللخلف
تحاول أنت استنباط المعلومة التي يريد أن يوصلها لك، ولكنك تفشل في أي محاولة للترجمة..
هل هناك رادار؟
هل هناك حادث في الأمام؟
هل هي إحدى الشتائم البذيئة والتي تتطلب ردا سريعا منك بأحد مكونات سيارتك؟
لا تدري..
وما تكاد تشك في إلمامك بهذه اللغة، إلا وتكتشف أنه يتحدث مع جاره في السيارة، ويقتسم الحديث بين جاره وبينك..
فالكلام للجار والإشارات لك!!
 
ولديك السائق الذي لا يعرف للفرامل سبيلا..
فالسيارة تسير بسرعة ثابتة طوال الطريق.. سواء كان الطريق خاليا أو كان مزدحما، لا يقف لعابر طريق، أو حتى لمطب أوقعه حظه العاثر أن يمر من تحت هذا السائق
وعليك أنت أن تفسح له بمجرد رؤيته.. أيا كانت العوائق أو الموانع التي على جانبيك

ولديك سائق حرب أكتوبر..
وفي هذا القائد تتحقق مقولة : لازم نستلهم روح أكتوبر ونطبقها في حياتنا
ولهذا فهو يكون في أقصى يسار الطريق.. يسير بهدوء وتؤدة.. لا يعطي أي إشارة أو تنبيه.. بل لا يكاد يلتفت في أي اتجاه (يطبق روح الخديعة والدهاء في حرب أكتوبر)
وفجأة
يتخذ قرار العبور المجيد، فتجده في لحظات يختفي من اليسار ليصبح في اليمين (هنا يطبق عنصر المفاجأة)
ليجبرك أن تتخذ فجأة موقف الدفاع عن النفس بعد أن أربك كل حساباتك لحركة الطريق وبعد أن ظننتَ أنك ممسك بزمام الأمور، وأنك السائق الذي لا يقهر
ثم بعد ذلك وعلى طريقة (بالسلام إحنا بدينا بالسلام).. ينظر لك ويبادرك برفع يده مسلما ومعتذرا، ليحرجك أمام المجتمع الدولي في الطريق
أو قد يطبق دروس أكتوبر حتى درس العبور فقط، ثم يغلق كتاب أكتوبر ولا يعيرك اهتماما بعد ذلك على طريقة (ليك شوق في حاجة؟)

من المؤكد أيضا أنك سترى سائق مراجيح مولد النبي
وهذا لم يستلهم روح حرب أكتوبر، ولكنه استلهم روح محافظة أكتوبر بما فيها من ملاهي
فهو يشعر كأنه في مدينة دريم بارك، لا يثبت في مكان..
يسترجع طفولته بالمرجحة في الطريق، فتراه كالحائر بين حارتين، يذهب يمينا قليلا حتى لا يكاد يتم دخول الحارة اليمنى، إلا ويقرر أن يتجه يسارا بهدوء، ثم يعيد الكرّة
ويجب عليك تحمُّل هذه "المرجحة" وأنت عالق خلفه لا تستطيع منه فكاكا.. حتى تنتهي رغبته في استرجاع أيام طفولته الغابرة، وغالبا ما يكون ذلك بوصوله إلى بيته

ومن ذكريات طفولة هذا السائق، لـ سائق كى جِي وَن
وهو سائق آخر على النقيض تماما.. فذكريات طفولته قد سببت له عقدة "بشنيطة"
فيبدو أنه ضُرِب كثيرا عند كتابته للواجب المدرسي لتركه السطر أثناء الكتابة، إما بالصعود أو بالهبوط
وقد آتت العقوبة أكلها ولم تظلم منه شيئا (إلا ظلمها للسائق الذي يتعسه حظه بالسير خلفه)
فهو ما أن يرى الخط الفاصل بين الحارات إلا ويتذكر السطر في كراسة المدرسة.. فيتخذه دليلا في وسط السيارة ولا يحيد عنه، فلا "يطلع للسما" ولا هو "ينزل يشرب م البحر"
وأنت تأتيه ذات اليمين وذات الشمال، ولكنه غير منتبه لك، لانشغاله بالسطر

لهذا..
عليك عزيزي السائق أن تتحلى بالصبر وتدعو الله أن يحميك من أمراض القلب والضغط والسكر
وتدعيلي معاك إن ربنا يعينني
:)

* * * * * * *