13.2.11

الذي اقترب.. ورأى


* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *
*  اسم المقال مقتبس من قصة للروائي علاء الأسواني  *
* * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * * *

عدة دعوات تأتيني للنزول يوم 25 يناير
كالعادة أضغط بلا مبالاة على الزر الشهير ignore.. فلطالما رأيت التظاهرات اللي تطلقها كفاية أو "بتوع كفاية" كما كان اسمهم في الشارع، وهي عدة تظاهرات.. تُبحّ فيها الأصوات ويُضرب فيها المتظاهرين ويُعتقل بعضهم وإذا لزم الأمر فلا مانع من التحرش بعدة متظاهرات حتى ينفض المولد.. ونظل شهرًا أو اثنين نقرأ مقالات التنديد بالأداء الأمنى وتعامل الحكومة مع المظاهرات
ثم.. لا شئ

كنت متأكداً أنها لن تزيد على هذا، وما هي إلا فورة حماس نتجت عن الأحداث التونسية.
قضيت يومي واليومين التاليين على هذا الأساس مع ملاحظتي لارتفاع حدة الأحداث قليلا عن ذي قبل

ليبدأ يوم الجمعة..
وأجد أن الحدث أصبح حدثا هاما فعلا، وأن الجيش نزل إلى الشوارع فعلا، ولتبدأ بداخلي النزعة لمشاركة هؤلاء في مطالبهم التي بدأت تأخذ مأخذ الجدية
وما أن أتى الليل حتى أعلم أن الشوارع امتلأت بالبلطجية
وحتى أجد نفسي مضطرا لصرف النظر عن النزول للمظاهرات، من أجل مهمة أخرى
فقد وجدت نفسي لأول مرة مضطرا أن أبيت أمام بيتي، مع الجيران (وهم قلة لحداثة المنطقة التي أسكن بها).. ووجدتني أدور على مداخل المنطقة لغلقها بالكتل الحجرية وبقايا الشجر
ووجدتني لأول مرة ممسكا بقطعة حديدية (يعرفها أهل المعمار بالقمطة) كسلاح، معضدا لها بعلبة بيروسول وقداحة كخطٍ ثانٍ للدفاع!
وجدتني أجلس أمام كتل خشبية مشتعلة من الخشب مستمتعا بحالة المبيت لحماية بيوتنا وأهلنا.. رغم كل حالة القلق والترقب التي تنتابني مع كل طلقة أو دفعة طلقات نسمعها في الأفق لا نعلم لها مصدراً أو هويةً

حتى أتى الخطاب الذي جعلني أبيت منتشيا يوم الثلاثاء، والذي شعرت أنه ضمن لنا تغييرات عديدة ولم يعد من الصبر إلا ساعة قدرها ستة أشهر.. لاستيقظ مصدوما من مشاهد طالما رأيتها بين أهل فلسطين وإسرائيل.. ولكن المروّع ها هنا أنا بين مصريين.. ومصريين
أصبحت أرى أحجارا تتطاير يمينا ويسارا، ومنها إلى قنابل نارية، تُرمى حتى على مدرعات الجيش!!.. حتى تتحول إلى طلقات رصاص مجهولة المصدر.. لينكسر الأمل في التعديل الذي تأتي ثماره بعد ستة أشهر، ونبدأ في التأكد من أن الحداية ما بتحدفش كتاكيت وأن الزمار حتى وإن كان يموت، فإن صوابعه بتلعب حتى النهاية

وبدأت الأخبار المتناقضة تتزايد.. وبدأت الإشاعات تزداد
وشعرت بالخوف
الخوف على بلد تحترق ونحن لا نعلم أهي خيانة داخلية أم مؤامرة خارجية
الخوف الذي يشعر به طفل يكتشف أن أمه لم تعد تسير بجواره وأن كل من حوله لا يعرفهم
وقررت الابتعاد.. حتى يتبين لي منْ يحارب منْ.. ومن المسئول عن هذه المشاهد المرعبة

وتزداد حدة التناقضات في الأخبار..
اللي هناك كلهم إخوان.. اللي هناك أجانب.. دي ثورة محترمة.. اللي هناك شباب بايظ بيضرب مخدرات وهو في الميدان.. في حد بيحركهم من برة البلد.. دول بيناموا في خيام في الشارع الولاد والبنات مع بعض.. في حد بيحركهم من جوة البلد.. ما ينفعش يتنحى عشان الدستور مش هيتغير.. دي عيال أغبيا ودماغها ناشف.. عادي جدا إنه يتنحى والدستور يتغير، الشرعية شرعية الشعب.. العيال دي بيجيلها وجبات كنتاكي.. كلنا في الميدان زي بعض.. كفاية بقى لحد كده ما جتش من ست شهور.. لازم ندعم ثورة الشباب..

كانت هذه الأخبار تدفعني لشئ من اثنين..
الجنون أو النزول
قررت أن أنزل.. وأرى.. أن أكوّن رأيي بنفسي، حتى وإن لم يهتم به أحد
انضممت لمسيرة الأطباء، والتي توقعت أن تزيد على مئتي فرد، لأفاجأ بأكثر من ألفي طبيب.. أفاجأ بمسيرة عددها أكبر من أن تجتمع على ترديد هتافٍ واحد
مسيرة تأخذ نصف شارع قصر العيني ليمتلئ النصف الآخر بالمشاهدين والمصورين والمشجعين
رأيت الناس تخرج من الشبابيك لتصفق وتشجع

وما أن عبرت "نقطة التفتيش" حتى أفاجأ بأكوام القمامة.. لأعرف أن هناك لجانا تشكل لتنظيف المكان أولا بأول
خطوتين لينطلق الأذان من الإذاعات الداخلية لصلاة الظهر، وفي خلال دقيقتين تتراص الصفوف وتبدأ الصلاة بإمامة شيوخ الأزهر.. وبعد ذلك أجد المسيحيين منتشرون في المكان دون أدنى مشكلة

رأيت بعيني الرجال والنساء بالفعل في خيمة واحدة.. وبالطبع يلعب بجوارهم أبنائهم، وغالبا معلق على الخيمة أنهم جائوا من سيناء/ناهيا/أو حتى المنوفية لنفس الهدف

رأيت المستشفى الميداني وأفراد تأمينها، وأشخاص أتوا بسياراتهم لنقل عدة كراتين من العصائر والأدوية

وأخيرا.. رأيت الوجبااااااات.. وما أدراك ما الوجبات
ينادي عليّ أحد الأشخاص "اتفضل يا أستاذ.. يا أستاذ.. اتفضل دول" موجها إلى يده بأطباق من المخبوزات، آخذها وأعطيها لمن جلست معهم
لا يمر من الوقت غير قليل حتى يتكرر الموقف من شخص آخر، ونظل في محاولات اقناعه بأننا خدنا والله ومحاولات اقناعنا بأن إيه المشكلة؟ خدوا تاني.. زيادة الخير خيرين
ثم يأتي ثالث مناولا إيانا علبة كيك مونجيني.. ثم يأتي رجل بسيط مصرا على إعطائنا التمر.. ثم آخر لتوزيع قطايف!!
وأخيرا.. يأتي الدجاج.. الوجبات.. الفراخ الآثمة التي توهت عقول الشباب لتقنعهم بالبقاء في الميدان أبدا.. بالطبع كان أحد أفراد المجموعة تطوع ليكون الغدا عليه النهاردة بأرز ودجاج "بيتي"

رأيت الزحام الشديد بدون أي تأمين تمر منه المنتقبة بجوار السافرة بجوار أخرى تدخن سيجارة.. يمر الشاب "الروش" بجوار الشاب الملتحي.. كل هذا ولا تحدث مشاجرات أو تحرشات أو حتى معاكسات

رأيت احتفاءًا عجيبا بأي جندي من الجيش يمر خلال الأفراد وهم يكادون يحملوه حملا

رأيت أشخاصا مثقفين وأناس بسطاء يقف جميعهم مرددين يا حبيبتي يا مصر أو أحلف بسماها وبترابها

بل وأيضا رأيت بضع شباب ممن يتطوعون بالرقص في الأفراح الشعبية كنوع من المجاملة وهم يرقصون على أغنية حلوة يا بلدي.. ورغم أني وددت أن أخبرهم بأننا لسنا في فرح ابن العمدة، بل نحن هنا لنتخلص من العمدة وابنه..
إلا أن وجودهم أكد لي أن هذه الثورة ما زالت لا تنتمي لاتجاه.. ما زالت تعبر عن كل طوائف الشعب بما فيهم من حسنات وعيوب
خاصة عندما تجد هؤلاء الأشخاص التي ظهرت بـ"نصبة" الشاي، وكرتونة المياة، وعربة الفيشار.. كنوع من تقليب الرزق وأكل العيش

عاد احترامي لهذه الثورة كما كان من قبل.. وعاد فخري بهم كما كان.. وعرفت أنه سواء وجدت إرادة خارجية أو مؤامرة دولية للتغيير.. فهذا لا يهم، لأن الشعب نفسه يريد التغيير.. وبإذن الله سيكون ذلك في صالحه أولاً.. ولن يشرك فيه أحداً

ولم يتبق لي حتى أشاركهم إلا أن أعرف الإجابة على سؤال واحد.. وهو هل الدستور بالفعل عقبة (كما اقتنعت من قبل ودعوت الناس لذلك).. أم أنه حقا لا يوجد ما يقف أمام رغبة الناس؟
ولم يمهلني الرئيس (والحمد لله) حتى أبحث عن الإجابة.. حيث تنحى.. وفجأة يتضح أنه لا عقبات ولا يحزنون
ويتضح أن كل شئ ممكن.. وكل رغبة للناس سهلة التحقيق
ويتضح أن تعامل النظام مع المظاهرات نجح نجاحا مبهرا في اقناع المتظاهرين بالثبات على مواقفهم.. والإصرار على مطالبهم.. وكأنه يقول لهم أنا كده ووروني هتعملوا إيه

وأجد نفسي ممتنا للحظات انسانية عشتها مع هؤلاء الناس في الميدان
وممتنا للحظات عشتها أمام بيتي (كغيري من المصريين) حاملا قطعة حديد تمنحني بعض القوة وأنا لا أعرف كيف سأستخدمها إذا وقع المحظور
وأجد نفسي شاكرا لهؤلاء الشباب الذين كانوا السبب في تغيير مصر.. أو في أسوأ الأحوال غيروا نظرتنا لأنفسنا للأحسن.. والأحسن كثيرا جدا

2.2.11

عبيط القرية، ومصريزوفرينيا

أذكر زياراتنا المتبادلة، بيننا وبين أبناء خالتي، والذين يعيشون في بلدة ريفية تتبع محافظة الغربية

أتذكره جيدا.. بسماره الغريب، وجلبابه المتسخ الذي لا يتغير وقدمه التي يبدو أنها لم تعرف للحذاء أو حتى للـ"شبشب" طعما

إسداحمد المحرفة من الاسم سيد أحمد، والذي كنت أراه هناك دائما هائما على وجهه في القرية.. لا بيت له ولا مأوى إلا طرقات القرية.. وبقدر ما كان قلقي وخوفي منه، وشعوري بالاضطراب الذي أحاول جاهدا ألا يظهر عليّ إذا ما اقترب مني.. بقدر كل ذلك، كان تعجبي من تعامل أهل البلدة معه بتلقائية وأريحية شديدة دون تأفف لعدم نظافته، أو دون تذمر من اقترابه منهم

كان اسداحمد يتواجد في أي وقت.. يظهر وكأنه موجود دائما، ويختفي كأنه لم يوجد أصلا.. يجلس الرجال يثرثرون في أي حديث، وينزوي هو بجانب أي جدار.. أو بجوار أحدهم على الكنبة ممسكا بورق البفرة وعلبة التبغ منهمكا في لف السيجارة، يشارك أحيانا بكلمة أو تعليق ينم عن سذاجة طاغية في التفكير، أو تناقض في الكلمات والأفكار.. لا تكون إلا نقطة تحول بسيطة في الـ"الثرثرة" تدفعهم للضحك على طريقة تفكيره، أو تجذبهم لـ "نكشه" قليلا.. ثم يكملون كلامهم وكأن جملته لم تكن إلا جملة اعتراضية بين شرطتين يمكن حذفها دون أن يختل المعنى، ويمكن قرائتها أيضا من باب التسلية ليس إلا

لا أدري لماذا قفز إلى ذاكرتي في هذه الأيام.. خصوصا مع التغطية الإعلامية المتميزة من قنوات الإعلام الحكومي

الإعلام الذي انفرد بخبر المسيرات السلمية البسيطة يوم الثلاثاء، في الوقت الذي كانت ترصد فيه كل القنوات الإخبارية مظاهرات حاشدة في محافظات مختلفة بمصر

وهو الإعلام المتميز الذي أكد للناس استمرار بعض المسيرات السلمية ومحاول الإخوان تغذية الشغب بها يوم الجمعة؛ الذي كانت ترصده كافة القنوات العربية ناقلة أحداث ضرب المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع، والطلقات المطاطية، وسيارة الأمن التي تجري - كالفأر المذعور الذي أمسكت به النار - يمينا ويسارا صادمة أحد المتظاهرين في السويس ومحاولةً اصطياد آخرين

والأغرب أنه الإعلام الذي كاد يقسم على المصريين بالعيش والملح بألا ينصاعوا وراء محاولات التضخيم الإعلامي من القنوات الأخرى.. بعد دقائق من إعلانه حظر التجول لمدة تربو على نصف اليوم!

إعلام غطى بكفاءة المظاهرات وما بها من لافتات تحمل نعم لمبارك بجانب اللافتات التي تؤكد أن مبارك أمان مصر وهي المظاهرات التي وقعت بالفعل من ألف من البشر أو يزيدون، ولا أدري من أين أتت القنوات الأخرى بمظاهرات دخيلة بها أناس خلفهم شئ يشبه المتحف المصري يحملون تنبيه بأنه حان الآن وقت الرحيل حسب التوقيت المحلي لمدينة القاهرة.. أو طلبات بالرحيل تؤكد على أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان، ناهيك عن بعض اللافتات التي تتطالب بالمحاكمة.. ومن السهل توقع كيف تم دس هذه المشاهد الدخيلة في ظل تطور برامج الفوتوشوب والـ3D.. وانتشارها كالمحمول في يد الجميع

ببساطة..

ترك الإعلام المصري العالم الواقعي، وانزوى بجوار الجدار حالما بعالمه الخاص، تائها في أفكاره، والتي شارك بها ليجعل من نفسه أضحوكة للمشاهد، المشاهد الذي نسى إعلامنا أنه ممسك باختراع يسمى ريموت كونترول يستطيع به ويا للعجب أن يرى كل شئ في قنوات أخرى..
وأصبح يمثل في طريق تغييرك للقنوات كالجملة الاعتراضية التي تستطيع تخطيها دون أدنى ندم، أو تستطيع قرائتها إذا كنت غير مريض بضغط الدم

وحتى إذا أطلق المشاهد اللعنات على قناة الجزيرة المغرضة ذات الأغراض الدنيئة.. فما زال أمامه قناة العربية أو الـbbc العربية، والتي عرضت الأخبار بشكل كامل وواقعي

ويبدو أن انتشار كلمة ثورة.. جعل إعلامنا المغوار يأخذ دور الإذاعة المصرية وقت النكسة.. والذي لم يكتف بأننا ندافع عن أرضنا ببسالة، ولكننا ومن باب لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد أصبحنا على مشارف تل أبيب "هنخلص قوام قوام وراجعين".. ليكتشف المصريون فجأة أن سيناء كاملة أصبحت "خارج نطاق الخدمة مؤقتا"

ووسط كل ذلك..
وقفت القنوات المصرية الخاصة موقفا أكثر تشريفا واتزانا.. وعرضت الأحداث وأكدت أنها فخورة بالشباب، وتبارت في إظهار هذا العمل الشجاع غير المسبوق، مع كامل الاحترام للرئيس وانجازاته، ولكن قد حان وقت التغيير و(والله مانا.. دول الشباب).. وما دام أراد هذا الشباب اللي يفرح هذا، فلابد أن نحترم رغباته.. وإذا الشاب يوما أراد الحياة، فلابد أن يستجيب الرئيس لمطالبه.. مؤكدة أننا نريد انتقال سلمي للسلطة في مصر يحقق للشباب مطلبه، ويكفل للرئيس خروجا آمنا من السلطة

وأخيرا، وبعد أسبوع من ميلاد المظاهرات، خرج الرئيس ليؤكد أنه رغبة منه في تحقيق آمال الشباب فهو يطلب من البرلمان تعديل المادتين 76 و 77 من الدستور بعد سنوات عدة "نشف فيها ريق المعارضة" لتنفيذ هذا الطلب.. وليطمنهم أنه كان يطمح -أساسا- للتخلص من أعباء السلطة وعدم تحمل هذه الأعباء لسنواتٍ ستٍ مقبلة مرهقة

وللعجب العجاب..

تجد نفس القناة التي كانت تدعم الشباب.. وتفخر بامتلاك مصر شباب يفرح مثلهم.. تبدأ في بث برامج تسير في اتجاه مغاير تماما.. وتجلس المذيعة الشابة بدون المكياج المعتاد متشحة بالسواد، ينبئك مظهرها عن مرورها بحالة من البكاء المرير لهذا الخبر الصادم، وتتلقى تليفونات باكية شاكية تبث همها وحزنها لعدم ترشح الرئيس لفترة سادسة يقود فيها السفينة المصرية.. تنوح أن ينقذ أحدهم هؤلاء شباب اللي فيه حد بيسوقه، وأن الموضوع فيه إنّ مشددة على أنه حرام اللي بيحصل ده خاصة وأننا كلنا بنحب الريّس حتى وإن لم يكن منتخب مصر كويس

وما أن بدأتُ بكتابة هذا المقال تنفيسا عن أعصابي مما شاهدت من تناقضات.. حتى أفاجأ بما هو أعجب من هذا العجب العجاب.. حيث شاهدت بأم عيني ما لم أصدقه حتى الآن.. وما لم أحسب له حساب

أسامة سرايا.. أسااااامة سرااااايا؛
وأنت أعلم مني بما دار في رأسك الآن عند ذكري لهذا الاسم

أراه يقف في المظاهرة.. قائلا أنهم حاولوا يخوفونا (لاحظ صيغة الجمع للمتكلم) من أن ننزل للمظاهرة، ويطلبوا مننا (لاحظ الصيغة أيضا) أن نبقى ببيوتنا لنحميها.. متعجبا من أنهم (من المؤكد أنك لاحظت صيغة الغائب) وزعوا منشورات تقول نعم لمبارك، وهو ما جعله أصر يصر إصرارا، وألح يلح إلحاحا، ألا يخاف وينزل - مشاركا - في المظاهرات!!!!!

يبدو أن هذه حالة خاصة ومتقدمة من السكيزوفرينيا لم ولن تظهر.. إلا في مصر

وكم ذا بمصر من المضحكات           ولكنه (بحق) ضحك كالبكا

27.1.11

كلنا مش عايزين صورة

بعد المكافحة من أجل حلم السد العالي..
بدأ البناء، بعد التغلب على كل المعوقات الخارجية ضد هذا الإنجاز
انطلقت أغنية عبد الحليم والتي تؤكد أنهم بعد تحقيق هذا الأمل "كلهم كده عايزين صورة".. مطالبةً "جمال" أن "صورنا يا جمال"
ليس الموضوع عن الأغنية التي تمجد إنجاز رئيس، فطالما مجدت الأغاني والمقالات في الرؤساء والملوك والحكومات.. أحيانا بوجه حق وكثيرا بدون
ولكن الملاحظ أن الشعب نفسه تقبل هذه الأغنية بدون أي استنكار، لأنها تعبر عنهم وعن رضاهم بمحتوى هذه الأغنية.. فكانوا يرون أن الإنجاز كبير بما يكفي لأن نضعه في أرشيف هذا البلد.. كصورة تحمل الإنجاز.. فيها الشعب صاحب الإنجاز


ومنذ انطلاق هذه الأغنية تم اتخاذها مبدأً عاماً للحكومات المصرية المتتالية
فأرادت الحكومات في عهد السادات إثبات أن البلد ليس مع الكفر والإلحاد الشيوعي، بل هو بلد مؤمن تضرب جذوره في الإيمان ضربا مبرحاً.. فبدأ في تصوير الرئيس وهو يصلي الجمعة أسبوعيا، وأصبح لا يذكر إلا بـ الرئيس المؤمن

أنا لا أملك الحكم على مدى إيمان أي أحد، ولا أقول ذلك لأنفي إيمان الرئيس.. إلا أني لفت نظري إصرارهم على ظهور ذلك دوما في الصورة
حتى عندما أراد السادات أن يثبت مبدأ الحريات، فاهتم بتصوير نفسه وهو يهدم المعتقلات بيديه.. رغم أن هذا لم يكن مانعا أبدا من تنفيذ قرارات اعتقال فيما بعد


ثم اتخذ الموضوع شكلا أكثر تطورا.. فأصبح الاهتمام الأول موجه للصورة.. والصورة أولا، حتى وإن لم توجد الخلفية التي تستحق التصوير، فلا مانع من تكوين خلفية مؤقتة تكفي لملء كادر صورة 6×9.. ولتذهب - الخلفية المؤقتة - بعد ذلك إلى المخازن أو حتى إلى الجحيم.. لا يهم


فأصبح من الطبيعي أن ترى طريقا يصنف بجدارة كـعزيز قوم ذل.. بعد أن أصبح باطنه ظاهرا، أو أرصفته صارت أشبه بمواقع الانفجارات، أو بالوعاته مفتوحة دوما كما تفعل فراخ الطير في انتظار الطعام (والذي كان غالبا هو أحد المارة في هذا الشارع)..
ويظل الأمر هكذا لأجيال
حتى يصبح أهله لا يذكرون له حالا أخرى غير تلك الحال

ولكن..
قد يستيقظ أهالي هذا الطريق على نشاط غير عادي، من رصف وإعادة تأهيل، وتلوين للأرصفة، وزرع للأشجار وإغلاق للبالوعات..
وما ينقضي يومان.. يكتشفون بعدها أن هناك مسئولا سيمر على هذه المنطقة، وكل هذا ليرى أن ما هو مسئولٌ عنه بخير حال وفي صورة طيبة تلتقطها عدسات الصحف المنطلقة في موكبه.. حتى يستطيع النوم هانئا مرتاح البال


واستمر الحال.. واستمرت الصور
وتعين على الحكومات اختيار الصور المناسبة للحال.. حتى أصبحت شيئا فشيئا فاقدة للمعنى وللمصداقية
وكلما حدثت مشكلة بين اثنين.. وكان أحدهما مسلما والآخر مسيحيا، وحاول بعض الخبثاء دس عامل الدين كسبب للخلاف (حتى وإن كان الخلاف على شئ محرم أساسا).. انطلقت الحكومة لنفي وجود فتنة طائفية، وتبارت في كيفية إظهار أن الصورة طالعة حلوة.. لأن بها من الضحك ما يكفي لعمل عشرة ألبومات كاملة..
وتظهر حينها صور شيخ الأزهر مصافحا البابا شنودة.. حتى أصبح الشعب المصري يفهم جملة : (لا وجود للفتنة الطائفية بمصر)، وكأنها المرادف اللغوي لـ (نريد إطفاء الفتنة المشتعلة في مصر).. حتى وإن كان هذا المصري نفسه لا يرى الفتنة بعينيه، لم ير مشكلات ضخمة تستحق وصفها بالطائفية، ولكن هذا الإصرار على النفي يؤكد له وجود شئ ما، خاصة مع رسوخ إيمانه العميق بأنه (مفيش دخان من غير نار)


تعددت المواقف، وتعددت الصور.. بل وتطورت يوما بعد يوم
فبعد أن كان المسئولين يكتفون بنشر لافتات التأييد القماشية في أي مدينة أو قرية يزورها الرئيس، فيبدو أنهم وجودها لقطة مكررة امتلأ بها الأرشيف.. فأصبح القماش المعلق - حاملا لعبارات التأييد - قمصانا يرتديها المؤيدون "حاملةً لصور فوتوغرافية للرئيس أو نجله"..
وطالما تسائلت، ألم يسأل أحدٌ نفسه كيف يقوم شباب قرية بهذا الفقر بتجهيز "تي شيرتات" تأييد عليها صور ملونة مطبوعة؟
أليست هذه تكلفة من الطبيعي أن تشق على من هم في مثل حالهم؟


حتى حينما انتشرت مقاطع تظهر أقسى أنواع السادية التي يمارسها ذو سلطة ضد من هو مسئول عنهم..
مقاطع تظهر عدة رجال شرطة وهم يقتلون إنسانا..
لا يقتلونه جسدا، ولكن يقتلون إنسانيته واحترامه لذاته ولآدميته بل ولبلده نفسها

كان من الطبيعي جدا أن يعاقب المخطئ عقابا رادعا، ويعود الحق لأصحابه ببساطة
لأنه من الطبيعي جدا في كل فئة أو مهنة تواجد الصالح والفاسد..
ولكن لم يكن يتم هذا بهذه السهولة.. فالصورة بهذا الشكل ستظهر بها بقعة تشوه الصورة الوردية
يتم التهرب والإنكار، ولا يعاقب أحد إلا لو تعدت المشكلة حيز الإخفاء


بعد كل ذلك.. خرج الناس بالآلاف.. خرجوا مطالبين ببعض الحقوق، وما زالت الحكومة مصرة على ضبط الصورة، وإظهار أن الأحداث ما هي إلا مسيرات سلمية ليس إلا
لم يدركوا أن أجهزة التصوير أصبحت في كل هاتف محمول، وأصبحت في أيدي حتى الأطفال.. وأصبحت الصورة الحقيقية أسرع انتشارا من الأوبئة

اكتفى الناس من الصور..
فاضت الألبومات بما تحوي، وأصبح الناس في حاجة لواقع يعيشوه، وحلم ينفذوه
خرج الناس من وراء الخلفيات الاصطناعية.. الوردية.. الراضية.. السعيدة.. المؤيدة
أرادوا أن يفتحوا الكادر لتظهر الصورة على حقيقتها
أرادوا أن يقولوا يكفي هذا التصوير، ولنبدأ بالتطوير
حينها..
ستجد ألف ألف كاميرا تعرض إنجازاتك بدلا منك
وستجد ألف ألف متفرج يستمتع بصورة تحوي عملا حقيقيا، ويفخر بك
حينها..
ستجد من يطالبك بالصورة.. كشاهد يشهد لك، بعد أن أرهقت نفسك في خدمة من هم مسئولين منك
فهل يستجيب أحد؟



6.10.10

السواقة في بر مصر

فن.. أخلاق.. ذوق

هذا هو توصيف وزارة الداخلية للقيادة (الشهيرة بالسواقة) في مصر
والتي أصبحت لا أدري هل تم اشتقاق كلمة سواقة من يسوق
حيث يشعر كل راكب سيارة أنه يسوق قطيعا يركب في باقي السيارات.. وعليهم جميعا الانصياع لرغباته واتجاهاته
أم أنها -كما تُنطَق في مصر- سواءة، وهي تأتي من مدى السوء التي وصلت له

فأنا لا أتفق مع شعار الداخلية إلا في الثلث الأول فقط
فهي فن..
وفن له أسس وقواعد؛ ملخصها هو : ليس هناك أسس ولا قواعد

يهالني الفارق الشاسع بين عقليات وتصرفات السائقين، وتعاملهم مع الطريق ومع القطيع.. عذرا.. أقصد رفقاء الطريق الآخرين

فمن المعروف عن "السواقة" في مصر أن هناك لغة خاصة لا يعلمها إلا أهل مصر
فهو قد يخبرك بأمر ما باستخدام يده أو النور أو الكلاكس أو حتى الإشارات

ولا يفسد هذه اللغة إلا القائد المايسترو..
فأنت تسير خلفه وهو لا يكف عن الإشارات بيده صعودا وهبوطا.. للأمام وللخلف
تحاول أنت استنباط المعلومة التي يريد أن يوصلها لك، ولكنك تفشل في أي محاولة للترجمة..
هل هناك رادار؟
هل هناك حادث في الأمام؟
هل هي إحدى الشتائم البذيئة والتي تتطلب ردا سريعا منك بأحد مكونات سيارتك؟
لا تدري..
وما تكاد تشك في إلمامك بهذه اللغة، إلا وتكتشف أنه يتحدث مع جاره في السيارة، ويقتسم الحديث بين جاره وبينك..
فالكلام للجار والإشارات لك!!
 
ولديك السائق الذي لا يعرف للفرامل سبيلا..
فالسيارة تسير بسرعة ثابتة طوال الطريق.. سواء كان الطريق خاليا أو كان مزدحما، لا يقف لعابر طريق، أو حتى لمطب أوقعه حظه العاثر أن يمر من تحت هذا السائق
وعليك أنت أن تفسح له بمجرد رؤيته.. أيا كانت العوائق أو الموانع التي على جانبيك

ولديك سائق حرب أكتوبر..
وفي هذا القائد تتحقق مقولة : لازم نستلهم روح أكتوبر ونطبقها في حياتنا
ولهذا فهو يكون في أقصى يسار الطريق.. يسير بهدوء وتؤدة.. لا يعطي أي إشارة أو تنبيه.. بل لا يكاد يلتفت في أي اتجاه (يطبق روح الخديعة والدهاء في حرب أكتوبر)
وفجأة
يتخذ قرار العبور المجيد، فتجده في لحظات يختفي من اليسار ليصبح في اليمين (هنا يطبق عنصر المفاجأة)
ليجبرك أن تتخذ فجأة موقف الدفاع عن النفس بعد أن أربك كل حساباتك لحركة الطريق وبعد أن ظننتَ أنك ممسك بزمام الأمور، وأنك السائق الذي لا يقهر
ثم بعد ذلك وعلى طريقة (بالسلام إحنا بدينا بالسلام).. ينظر لك ويبادرك برفع يده مسلما ومعتذرا، ليحرجك أمام المجتمع الدولي في الطريق
أو قد يطبق دروس أكتوبر حتى درس العبور فقط، ثم يغلق كتاب أكتوبر ولا يعيرك اهتماما بعد ذلك على طريقة (ليك شوق في حاجة؟)

من المؤكد أيضا أنك سترى سائق مراجيح مولد النبي
وهذا لم يستلهم روح حرب أكتوبر، ولكنه استلهم روح محافظة أكتوبر بما فيها من ملاهي
فهو يشعر كأنه في مدينة دريم بارك، لا يثبت في مكان..
يسترجع طفولته بالمرجحة في الطريق، فتراه كالحائر بين حارتين، يذهب يمينا قليلا حتى لا يكاد يتم دخول الحارة اليمنى، إلا ويقرر أن يتجه يسارا بهدوء، ثم يعيد الكرّة
ويجب عليك تحمُّل هذه "المرجحة" وأنت عالق خلفه لا تستطيع منه فكاكا.. حتى تنتهي رغبته في استرجاع أيام طفولته الغابرة، وغالبا ما يكون ذلك بوصوله إلى بيته

ومن ذكريات طفولة هذا السائق، لـ سائق كى جِي وَن
وهو سائق آخر على النقيض تماما.. فذكريات طفولته قد سببت له عقدة "بشنيطة"
فيبدو أنه ضُرِب كثيرا عند كتابته للواجب المدرسي لتركه السطر أثناء الكتابة، إما بالصعود أو بالهبوط
وقد آتت العقوبة أكلها ولم تظلم منه شيئا (إلا ظلمها للسائق الذي يتعسه حظه بالسير خلفه)
فهو ما أن يرى الخط الفاصل بين الحارات إلا ويتذكر السطر في كراسة المدرسة.. فيتخذه دليلا في وسط السيارة ولا يحيد عنه، فلا "يطلع للسما" ولا هو "ينزل يشرب م البحر"
وأنت تأتيه ذات اليمين وذات الشمال، ولكنه غير منتبه لك، لانشغاله بالسطر

لهذا..
عليك عزيزي السائق أن تتحلى بالصبر وتدعو الله أن يحميك من أمراض القلب والضغط والسكر
وتدعيلي معاك إن ربنا يعينني
:)

* * * * * * *

20.8.10

ابراهيم عيسى

أنا من قراء إبراهيم عيسى.. وباحب أكتر إني أتفرج على برامجه
حتى وإن كنت باختلف معاه في حاجات هو بيقولها..

لكن اللي أنا مستغربله
إني أفتح على قناة أزهري، الاقيه عامل برنامج عن "الرائعتان"، عائشة وفاطمة رضي الله عنهما

متهيألي ده رغبة منه في إلقاء الضوء على الأحداث السياسية والاجتماعية في الفترة دي من بدايات الإسلام
لكن أكيد وهو بيتكلم عن الفترة دي مش هيقدر يتجنب الجانب الديني أبدا
وأكيد هيعلق على بعض الأحداث وبعض الممارسات اللي ليها علاقة مباشرة بالدين

* * * *

وبعدين أجيب O TV.. الاقي برنامج "حاجة تفطر"
البرنامج اللي بيلقي الضوء بشدة على الممارسات الخاطئة اللي بنعملها في رمضان
وإزاي دي كلها بعيدة كل البعد عن الدين، رغم إننا المفروض صايمين.. ورغم إننا المفروض نبقى أكثر التزاما وأكثر تسامحا وأكثر صبرا مع بعض

بيورينا إزاي بقى اهتمامنا كمصريين بالشكل العام للدين من غير انعكاس ده على أخلاقنا..
وده فعلا أنا باشوفه كتير.. بغض النظر يعني عن القضية الأزلية بتاعة (المظهر والجوهر) ومين فيهم أهم من التاني
بس ده بيحصل وباشوفه وبيفرسني

بالاقي كلامه سليم لما يعيب على واحد مشغل قرآن في العربية وعمال يزنق على ده ويشتم ده
بالاقي كلامه سليم -نسبيا- لما واحد يهتم بـ(مظاهر الدين) لكن في شغله بيؤذي زمايله ومش بيشتغل بما يرضي الله

جميل جدا إنه يفضح "التناقض" ده في المجتمع.. عشان نقدر نعالجه ونوصل لإنسان سوي يغير الواقع المرير اللي بنعيشه

* * * *

وفي الآخر أجيب موجة كوميدي
والاقي برنامج في سكة تانية خالص
برنامج اختار اسمه وهو متأكد إن الناس أول ما تسمعه لازم فكرها يروح في اتجاه معين
طبعا هيقول -وغيره هيقول- لأ إنت اللي نيتك سودة..
وإنت اللي من هنا (ويشاور على القلب) مش أبيض
ده إحنا نقصد نسأل عن المحاذير.. عن المشاكل.. مش أكتر، والاسم ده مجرد ربط للحاجات دي ببعض

ماشي.. نبلعها دي وأحاول أنضف نيتي شوية بالديتول

لكن الاقيه جايب دينا الرقاصة مثلا..
يناقشها في أهمية الرقص الشرقي.. عن أحواله في البلد المتخلفة دي؟
عن نظرة الناس للرقاصة؟
وعن أصول الفن ده

ويسألها سؤال محوري
سؤال.. لازم نلاقي حل فاصل ونهائي فيه

ليه المجتمع -المتخلف الغبي ده- بينظر للرقاصة دايما بنظرة اتهام؟
ليه هي المهنة الوحيدة اللي بتبقى مدانة حتى تثبت برائتها؟

رقاصة
هي مش دي كده إجابة كافية؟
هل محتاجين ندور على أسباب ومبررات تانية؟
متهيألي الكلمة دي بتبرر أي نظرة اتهام أو حتى إدانة ليها

لكن..
هل كونه الصبح بيتكلم عن الرائعتان (رضي الله عنهما) وبالليل بيتكلم في حوار ودي مع الفنانة (ربنا يهدينا ويهديها).. ده لوحده مش تناقض؟


خصوصا مع نوعية الأسئلة الموجهة ليها؟
مش حاجة غريبة إنه بيعيب علينا تناقضنا مع نفسنا.. وهو بيظهر تناقضه الشخصي قدامنا؟
الصبح يتكلم عن أهمية الرجوع لجوهر الدين.. وبالليل يتكلم عن المشاكل اللي بتتعرض لها الرقاصة البريئة اللي حقها مهضوم في بلدنا

بصراحة..
مش فاهمك يا أستاذ إبراهيم