٣.١.١٤

23

23
لم يعنِ لي هذا الرقم من شهر إبريل الكثير..
يوم مولدي؟
"طب وإيه يعني"؟!
لم أعرف أبدا جدوى الاحتفال بأعياد الميلاد..
لو زادت السنة عشرة أيام.. لصغرتُ في حسابات السنوات بضعة أشهر.. ولاحتفلتُ بيوم الميلاد في يوم آخر!
حتى مع حقيقة أني موجود على هذه الأرض منذ نفس العدد من الأيام!

تتغير الظروف والأحوال..
يكتسب نفس اليوم -غير المهم- رونقاً آخر..
فرحةً أخرى..
ليست لمدى أهمية مجيئي -غير المهم- لهذا الكون..
ولكن لأن هناك من أصبح ينتظر هذا اليوم..
يستعد له.. ويهتم به..
أصبحت أنت أيضا تنتظره..
لا تنتظر هذا اليوم.. فقط تنتظر هذا الشخص.
يتطاير قلبك فرحا عندما تسمع الكلمة المعتادة التي تصبح جديدة "نوفي" : كل سنة وإنت طيب!

23
تتذكر وأنت في المرحلة الابتدائية.. تنظر لأقرانك في الثانوية، وتتعجب كيف وصلوا لهذه السن الكبيرة!
هل من الممكن أن تكبر مثلهم وتصبح في السادسة أو السابعة عشر!
ما بالك بمن تخطوها وكسروا حاجز العشرين!!
تطايرت الأيام كتطاير قلبك مع هذه الكلمة..
وتجد نفسك تحاول عبثا أن تقنع هذا الشخص أن نفس الرقم.. 23.. ليس رقما في عداد الأعمار!
هذا ليس إلا عمر طفلة..
طفلتك، التي يسعدها إغاظتك و"الغلاسة" عليك..
ويسعدك ضحكها..
كلامها..
همساتها غير المقصودة، التي تقلدَها عمدا، فيزداد الضحك..
ويزداد التطاير لعبا بالقلب

تستمع لإحدى الأغنيات..
يستمع الناس للكلمات الرقيقة أو الشقية أو "الإفيه"..
يستمتع الجميع باللحن المميز..
وتستمع أنت للـbass guitar!
يلعب به عازفه في خلفية الأغنية..
يعطيها طعماً وروحاً..
يعطيها وزناً تحتاجه.. ورُقـيًّا نحتاجه، 
دون أن يكون ظاهرا لك كأصالة عود أو حزن كمان أو حيوية جيتار عاديّ!
قد لا يشعر به إلا فنانٌ أو عاشقٌ للموسيقى.
تتأمل كيف يُحوِّل ببساطةٍ جودة الأغنية من مرحلة "أناشيد الصباح المدرسية" إلى جودة لحنٍ احترافيّ يطربك وأنت لا تشعر به!!
تتذكر كيف كانت حياتك نشيدا بدائيا، يُعزف مكررا بتكرار الأيام..
حتى تدخل حياتك..
فيتحول النشيد إلى مقطوعة منعشة..
تترك كل الآلات والنغمات في حياتك..
وتستمع أنت وحدك إلى هذه الإضافة التي تشبه الـbass guitar..
تلتقط نغماتها في خلفية أغنية أيامك
تستمع.. تستمتع.. وتبتسم
ربما لا تكون فنانا..
ولكنك بالتأكيد عاشقٌ لهذه الموسيقى!

٢٨.٤.١٣

الطريق إلى تلات

في خلال رحلتي الأولى إلى منشأة سكران (جاري التحري عن أصل التسمية).. وصلت لـ "صوفي".. لأتخذ منها وسيلة المواصلات الثالثة، والمتجهة إلى "تلات"!
أسأل ببراءة عن ميكروباص "تلات"، فيشير لي السائق إلى سيارة ربع نقل "متقفلة بوكس"، لأعرف أنها وسيلة المواصلات المتاحة لوجهتي التالية لأتذكر البطل "نبيل الحلفاوي" وهو في سيارة تشبهها في خلال رحلته إلى إيلات، في محاولات توسعة فتحة شئ أبيض قابل للإنفجار.

لا أشعر بأي مشاعر بطولة كالتي شعر بها البطل في الفيلم، ولكني كنت مثله أدرك أني قد أكون "داخل على مصيبة".. أصعد للـ"بوكس".. ترتطم رأسي بعارضة حديدية تعمل كدعامة لسقف البوكس.
أجلس في انتظار اكتمال الركاب بجوار رجل أربعيني ذو لحية مشذبة بعناية.. يصعد رجل في الستينات من عمره.. ترتطم رأسه بالعارضة، ويجلس أمامي بجوار سيدتين في بدايات العقد الخامس من عمريهما، ثم رجل خمسيني تحميه جلسته قبل العارضة الحديدية من الاصطدام بها، ثم رجل خمسيني آخر يجلس بجواري بعد أن يصطدم بالعارضة.. ثم نتحرك بعد أن يكتمل عددنا بشاب في بدايات العشرينيات، والذي يتخذ مكانه بيننا بعد ارتطامه الموفق بالعارضة!

ينطلق السائق..
ثم تبدأ حالة الألفة المصرية الطبيعية التي تنشأ في المواصلات العامة، فيشارك الجميع في أي موضوع مشترك أو غير مشترك، ولكن في هذا اليوم يدور الحديث كله حول مشكلة الساعة.. رغيف العيش!
يتحدث الناجي من العارضة شاكيا :
الراجل بتاع الفرنة كان بيبيع الرغيف امبارح على 35.. محدش اشترى منه، والله عيش بـ150 جنيه ما حد خد منه حاجة، ما هو صحيح هاخد إزاي رغيف بـ35 قرش؟ ده أنا أروح أجيب السياحي بـ20 أحسن بقى!
يرد الرجل الستيني :
ما هو صحيح، أجيب أنا رغيف بـ35 ليه يعني؟ أمال هناكل إيه بعد كده؟
ترد المرأة بجواره مستفهمه بقلق :
طيب وهيفضل بالسعر ده؟
يرد الرجل الخمسيني :
ما هو يقول لك لو رحتي تجيبيه بالاشتراك تاخديه بشلن.. برة الاشتراك يبقى بـ35.
يرد الرجل الملتحي بحذر :
طيب يا حاج ما تشتري بالاشتراك، خد اللي انت عايزه وهيبقى بشلن!
يشعر الخمسيني وكأن حالة الرعب -والتي كأنه يتلذذ بنشرها- تكاد تُهدم ببساطة فيجيب :
ما هو أنا وإنت هنجيب بالاشتراك.. بس الفواعلية الغلابة هيجيبوا منين بقى؟ وهيجيبوا أبو 35 ده إزاي؟
يبدو على الركاب الاقتناع حتى كادوا يرددون : آه والله.. آه والله.. آه والله.
فيرد الملتحي :
طيب ما يعملوا اشتراك هم كمان!
يؤكد الستيني والمرأة على كلامه، وكأنهم أدركوا لتوهما بساطة الحل :
صحيح وهم ما يعملوش اشتراك ليه؟
يحاول الخمسيني إطلاعهم على سذاجتهم وغياب الحقائق الكاملة عن أذهانهم وإنقاذ حالة الرعب من التبدد :
يا بوي دول مش من هنا.. مش هينفع يطلعوا الاشتراك إلا في المركز اللي هم منه، لكن هنا مش هيرضوا يطلعولهم خالص..

ثم يستدرك مؤكدا :

أنا نفسي رحت أجدده في مكان تاني قال لي ما ينفعش.. لازم تجدده عند بيتك.. عند محل سكنك في المركز اللي إنت منه.
يتحسر الرجل الستيني الكبير على سوء الأحوال، ثم يحاول طمأنه نفسه :
الحمد لله لسة عندي أربع أراديب قمح بابيع فيهم، آهم هيكفوني أنا وعيالي.. مش هنغلب في اللقمة اللي هناكلها.
يشعر الرجل الخمسيني وكأن حالة الرعب التي بناها تتلاشى سريعا فيؤكد :
على رأيك.. الواحد مش هيغلب في اللقمة، ربنا بس يحافظ لنا على الصحة، لأن دي لو راحت الواحد مش هنلاحق عليها مصاريف.
يتذكر الستيني نجاته مما يحذره منه محدّثه :
على رأيك والله.. من كام يوم وقعت.. الحتة دية (مشيرا إلى التقاء فخذه بجسده) طقت جامد، رحت للدكتور قال لي إنها هربت من مكانها.. الدبوسة اللي انت بتخلعها من الفرخة دي وإنت بتاكل.. هربت من مكانها بس مش قوي، قال لي لو كانت اتفسخت خالص كنت دخلت في موال كبير، ولا خمسين ألف جنيه.
تتردد عبارات المشاركة الوجدانية :
سلامتك يا حاج.. الحمد لله على كل حال.. قدر ولطف. 
ويبدو أن الرجل "المرعب" لم يجد ما يلقيه في نار الرعب التي بدأت تخبو فلاذ بالصمت.
تنتهي الرحلة بصعود امرأة أخرى، وبداية شجار عنيف بينها وبين المرأة الجالسة أمامي بلا سبب تقريبا فتعترض على أنها "مش عايزاها تركب وهي واخدة مكانين وهي أصلا قد كده"، فتدافع الأخيرة عن نفسها بأن "ما انتي لو تطفّي النار اللي جواكي دي كنت تخنتي ومليتي انتي كمان"، فأتركهم وأنزل "محتاطا من العارضة" بعد أن وصلت لوجهتي.. تلات.. لأبحث عن وسيلة المواصلات الرابعة حتى أصل للوحدة الصحية.. وأنا أتعجب من بحث أهل الريف عن رغيف الخبز في الفرن بعد أن كانوا يحققون الاكتفاء منه ذاتياً!

٣٠.٣.١٣

خطّان

يتلاقى الخطان..
خطُّك السائرُ في اتجاهاتٍ تختارُها أحيانًا، أو تختارُكَ كثيراً..
وخطُها الآتٍ من مكانٍ ما.
يتكرر التلاقِ..
تكرار تلاق موجة عنيدة بصخرة ساكنة، لا تلبث إلا أن تعود معها فتاتاً ذائباً لا حول له ولا قوة.. ولو بعد حين.
هل كنتَ الموجة؟ أم أصبحتَ الفُتات؟

سعادةٌ طفوليةٌ تعتريكَ..
تعطي قلبَكَ أولَ دروسِ الرقصِ فَرَحاً بين جدرانِ قفصِهِ، بمجردِ الاقتراب..
أيّ اقتراب..
ولو عبرَ النبضاتِ الإلكترونيةِ.. الناقلةِ لتكتكاتِكَ العازفةِ على لوحةِ مفاتيحِكَ لحناً أصبحَ شجياً بلا وزنٍ ولا نغمات.
حتى مع ضحكاتك المنفردة، السعيدة بتخيل الضحكات المتزامنة معها على الطرف الآخر.
حتى مع استعادتك لتلك الضحكات مرة تلو الأخرى، بمراجعة تسلسل الكلمات المخزنة لديك، مجتراً لحظات سعادتك لمجرد إضحاكها.

تتلاعبُ بكَ الحيرةُ ساخرةً كطفلةٍ شقيةٍ..
تتقاذفُك..
بين نظرةٍ لعينيها تخشى أن تفضحَكَ..
هل كنتَ تُدرك أن لهذا اللون - الذي تلقاه يوميا مئات المرات - مثل هذا السحر؟!
.. وبين نظرةٍ هاربةٍ تلوذُ بأي كُرسيِّ خالٍ، أو أي ورقةٍ ملقاةٍ هنا أو هناك، احتراما لحدود لم تسمح لنفسك بتخطيها بعد..
ولكن هل ستظل ناظراً للكرسيّ طيلةَ الوقتِ؟!!

يتلاقى الخطان..
يتضافر خطُّك مع الخطِّ الآخرِ في اتجاهٍ جديدٍ لم تعرف إن كنت قد اخترته أم هو الذي اختارك..
لم يعد يهم..
فأنت على أية حالٍ تترك نفسك له سعيدا.. ممتنا أنك -بطريقة ما- أصبحت منساباً فيه.

٢٨.١١.١٢

مدينة البط



كنت أشاهد وأنا طفل تلك البطة التي ترقص مغنيةً مناديةً على أهل بلدتها لإنقاذها من "التعابين اللَّمُوني".. 

فما أن يجري الجميع لإنقاذها، حتى تنفجر ضاحكة لخدعتها التي انطلت عليهم.. وما أن تتكرر الخدعة، حتى يقرر الجميع : 
"إحنا أهل مدينة البط.. مش هنصدق حاجة تقولها"

وبالطبع عندما تتعرض البطة للخطر الحقيقي، لا تجد من ينجدها أو يصدق استغاثاتها!
---------------------
    في إحدى عبقرياته، مسرحية تخاريف، يتقمص محمد صبحي شخصية الدكتاتور الأحمق، الذي يبدأ حكمه بآمال كبيرة في تحقيق خير ونماء للشعب الأنتيكي البسيط لم يسبق تحقيقه في أي من دول العالم.
لينتهى حكمه بانقلاب شعبي عليه لنجاحه الساحق في تحقيق أسوأ معدلات الفقر والمعاناة لهذا الشعب التعس.


    في أثناء حكمه -وبعد انعزاله في قصر الحكم عن الشعب الذي يحكمه- يقرر أن يستجيب لطلب زوجته بأن يستمع لشكوى مواطن من الشعب، متمتا:
"شوفولي أي مواطن من الشعب أتكلم معاه.. ع الأقل أعرف شكلهم إيه ولاد الكلب دول".
ثم يسأله سؤالا بسيطا:
"هل أنت من المؤيدين لي.. ولحكمي وحكومتي، تأييدا مطلقاً؟" مشيرا برأسه أن نعم؛ "أم أنك -لا قدر الله- من المعارضين؟" مشيرا بعلامة الذبح!

كانت هذه الجملة التي اخترتها لتكون Facebook status بعد الإعلان الدستوري الأخير لد. مرسي، لتحظى بإعجاب وتأييد معارضي الإخوان، ورفض الإخوان بالطبع.. وربما لو فهموا لم اخترت هذه الجملة لرفضها معارضي الإخوان كما فعل الإخوان تماما.

أمسك د. مرسي البلد في فترة من أشد وأصعب الفترات التي تحياها البلد.
مفككة الأوصال..
مشتتة المذاهب..
في ذات الوقت الذي ارتفع فيه سقف طموحات أبنائها بشدة، بعد تجدد أملهم فيها بقيام ثورة يناير، التي لم يتفق ثوارها إلا على شيئين:

  • مش عايزين حسني.
  • لن نتفق مرة أخرى.
لينقسم الجميع إلى شخص وتابعيه.. كالحديد للمغناطيس.
إن قال يمينا فإلى اليمين، وإن كان يسارا.. فالوجهة هي اليسار بالتأكيد!
د. محمد مرسي
فأصبح هناك مرسي والإخوان.. والتأييد المطلق، حتى قبل أن يصدر القرار!!
فهو لن يقرر إلا ما فيه سبيل الرشاد.
وأصبح هناك البرادعي والبرادعاوية (كما يطلقون على أنفسهم).. وبالطبع هناك التأييد المطلق.
فإن قال الثورة.. فهي الثورة والقرارات الثورية.. وإن قال الدستور وسيادة القانون.. فهو القانون وهيبة القضاء.. إن قَبّل أنجيلينا.. فـ"الراجل قد أبوها".. وإن قال الهولوكوست.. تنتشر تدوينات تفنيد أدلة حدوث الهولوكوست.
لا أريد الإطالة هنا بالحديث عن حمدين أو أبي إسماعيل.

د. محمد البرادعي
لتبدأ البلد في فاصل سخيف وقذر من لعبة القط والفأر.
فأصبحنا بين حالة من التخبط والتشتت من الإخوان..
في مقابل حالة من التربص والشماتة أحيانا من القوى الأخرى..
القوى والأحزاب الثورية تطالب بمطالب استثنائية، حيث أنه بالطبع لا يوجد في القانون المصري ما ينظم قيام الثورات، ويحدد مسئوليات وواجبات الأحزاب والجماعات والأفراد في إطار ثوري قانوني منظم.
فلا يوجد قانون يسمح بإعادة المحاكمة لأي مذنب بعد الحكم عليه..
لا يوجد قانون يسمح لمسئول أو رئيس بعزل موظف معين، بتهمه انتمائه للنظام القديم..
بل لا يوجد قانون يسمح بإنهاء نظام الحكم وتغيير كل رموزه أصلا!!
وفي نفس الوقت -وبما أن الإخوان هم من في الحكم- أصبحت تنادي هذه القوى بسيادة القانون، واحترام الدستور، ونددت بقرار الرئيس بعودة مجلس الشعب مرة أخرى، فهو قرار غير دستوري!!
ثم اعتبرت قراره بـ "عزل" النائب العام لدرجة "سفير"، هو تهديد لسيادة القانون
(رغم أن هذا الطلب كان من أوّل ما أعلن كمطلب أساسي لثورة يناير)، 
وانفراد بالسلطات جميعا (رغم أنه أراد ترك السلطة التشريعية لمجلس منتخب أياً كانت المآخذ عليه.. فالسلطة في يدٍ واحدةٍ ليست كمثلها في يد أكثر من أربعمائة شخص، حتى وإن كان أكثريتهم من نفس الفصيل الذي تنتمي له هذه اليد الواحدة).
وأصبح مشهدا عاديا جدا أن ترى الثوري ذو الأنصار يسير ذراعا في ذراع مع من أطلق عليه بنفسه منذ عدة أشهر أنه من "الفلول" أو على الأقل قبِل أن يعمل مع النظام السابق.
فالمعيار الأساسي في الحالين ليس "الفلولية".. إنما هو الشعار الضريبي الشهير: مصلحتك أولاً!

وذلك -وكما يقول مجتمع الفيس بوك- بعد أن شرِب الرئيس زجاجة البيريل الأثيرة، ليصدر قراره بإعلان دستوري يعطيه الحق في كل شئ، حتى أصبح لا يسأل عما يفعل وهم يسألون!
متجاهلا أن القرارات العنترية (والتي تحتاجها الثورات بالفعل) لابد لها من سند شعبي مؤيد.. وبشدَّة.
ومتناسيا أن هذا السند الشعبي غير موجود أصلا..
واعتمادا على تمثيلية التأييد التي سيقوم ببطولتها أبناء الحرية والعدالة، بقدرتهم -المنطقية جدا- على الحشد السريع والمنظم.
يصدر الرئيس قراراته العنترية..
يحتشد مئات الآلاف مناديين "طهر يا ريس.. نضف يا ريس.. معاك يا ريس"..

دون أن يدرك -ويدركوا- أن الاحتشاد للتأييد دائما ما يأتي بعد القرار، وليس قبله بأي حال من الأحوال!
وبعد أن تناسى الكثير من الحقائق المنطقية..
فالرئيس..
لم يكن هو الزعيم الأسطوري الذي حمله الناس على الأعناق مطالبين بتوليه زمام المسئولية في هذا الوقت العصيب.. بل هو الرئيس الذي جاء بانتخابات فضّل نصف ناخبيها مرشح النظام القديم عليه، لتقع القوى الثورية في حسبة برما.. ما بين المقاطعة أو الليمونة!
والرئيس..
هو مرشح حزب وعد بالمنافسة على 35% من مقاعد مجلس الشعب، ليعلن بعدها بعدة أسابيع تعديل الوعد إلى 50%!!
وهو الرئيس..
مرشح حزبٍ، وعد بعدم ترشيح أحد أبنائه لرئاسة مصر في هذه الإنتخابات.. ليجد الشعب نفسه أمام مرشحَيْن من هذا الحزب لضمان كافة فرص التواجد!!
فكيف ينتظر الرئيس أن يصدقه "أهل مدينة البط" عندما يقول أن هذه القرارات الدكتاتورية هي الحل الصعب لفترة مؤقتة لن تزيد؟!
بأي منطق؟! وبأي داعٍ للثقة؟!

قرارات الرئيس هي الحل الوحيد لتنفيذ الطلبات غير الدستورية للثورة..
ولكنها ليست الحل أبدا في ظل هذا الوضع وفي ظل هذه الظروف!
وعليه أن يدرك حجم التأييد الحقيقي له بين الناس خارج أبناء الجماعة.. ليتحرك على أساسها وفي نطاقها!
وعليه أن يدرك أن ميدان التحرير -ولأول مرة- يمتلئ بالناس في ظل عدم مشاركة الإخوان والسلفيين، والذين كان غيابهم كفيل بتحويل أي مليونية لمجرد "ألفية".

٣.٨.١١

إحنا آسفين يا ريس

بعد بعض المرافعات التي تراوحت بين الجدية والتركيز طلبا لحق الشهداء.. إلى الهزلية واللامعقول بادعاء أن مبارك.. مش مبارك
وأن هذا الرجل الذي يظهر ثابتا رغم كل شئ، ما هو إلا دوبلير.. جاء وهو معلول الصحة، في سن كبيرة، ليحمل أوزار شخص آخر دون أي ذعر أو خوف!

من حقك أن تشعر بحالة من التعاطف.. حالة من الشفقة
فالإنسان لا يملك قلبه
ولا أستطيع أن أنكر أني مررت بهذه الحالة اليوم، وأنا أرى الرجل نائماً لا حول له ولا قوة
هذا الرجل الذي كان ملء السمع والبصر
هذا الرجل الذي ظننا يقينا أن حكمه الأبدي لن ينتهي إلا بالموت (ليستقر بعدها في قبضة مبارك آخر)
أصبحنا نراه في قفص الاتهام في انتظار ما تسفر عنه المرافعات..
جُررتُ إلى حديث بالأمس عن المحاكمة، وعن أن هذا الرجل رمز لمصر، أو على الأقل هو بمثابة الأب.. فإن كان أبوك فاسدا.. هل ذلك يعطيك الحق في أن تهينه؟

لا أجد ردا مناسبا على هذا إلا شئ واحد :
( إنما أهلك الذين قبلكم ، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) رواه البخاري 

فهذه ابنة الرسول (صلى الله عليه وسلم).. يتعهد أبوها بأنها إن ارتكبت ما تستحق عنه العقاب، لأمر بنفسه بمعاقبتها
فالأمر لا يخضع للعواطف الإنسانية.. بل هي حقوق، إما أن تسري على الجميع إقامة للعدل
وإما أن تزال من على عواتق الجميع إقامةً لقانون الغابة

وليسأل كل منا نفسه..
إذا سُرقت.. إذا اعتُدي على ابنك أو ابنتك.. إذا فقد أحدهم روحه بفعل فاعل، وفوجئت أن الفاعل رجل كبير..
أو رجل تحبه..
أو رجل عاشرته طويلا..
هل تسامحه؟ هل يغفر هذا له خطأه في نظرك؟
لا أعتقد